اخبار الموقع
دراسة علمية تكشف مفاجأة بشأن أوميغا 3.. هل تحمي مكملات زيت السمك الذاكرة من ألزهايمر؟زلزال في عالم الذكاء الاصطناعي.. «أنثروبيك» تكشف مليارات الأرباح والخسائر وتفتح معركة السيطرة على مستقبل التكنولوجياانتخابات العدو الإسرائيلي.. إقبال عربي لافت ونتنياهو أمام اختبار مصيريأثناء أعمال تنظيف.. عثروا على جثة متحللة!الكرة الذهبية 2026.. هاري كين أفضل لاعب في العالم وإسبانيا تسيطر على الجوائزعاجل البرلمان المصري يوافق على إرسال قوات دفاعية إلى السعوديةحضور جماهيري كبير في حفل كريم نور بسان دييغو نظمته Glory Nightsما الذي حدث في عرض البحر؟ قبالة سواحل صيدا
العلوم و التكنولوجيا

زلزال في عالم الذكاء الاصطناعي.. «أنثروبيك» تكشف مليارات الأرباح والخسائر وتفتح معركة السيطرة على مستقبل التكنولوجيا

زلزال في عالم الذكاء الاصطناعي.. «أنثروبيك» تكشف مليارات الأرباح والخسائر وتفتح معركة السيطرة على مستقبل التكنولوجيا

100%
anthropic-ai-featured-1200x600

تحقيق: محمد قاسم | بيروت

27 تشرين الأول 2026

لم تعد المنافسة بين عمالقة الذكاء الاصطناعي مجرد سباق لإنتاج روبوت محادثة أكثر ذكاءً أو تطوير برنامج قادر على كتابة الشيفرات البرمجية. فخلف الشاشات والخوارزميات تدور معركة اقتصادية هائلة، تتداخل فيها مئات المليارات من الدولارات مع مراكز البيانات والطاقة وأشباه الموصلات، وصولاً إلى سؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: من سيمتلك القدرة على إدارة الاقتصاد الرقمي في السنوات المقبلة؟

هذا السؤال عاد بقوة إلى الواجهة بعدما كشفت شركة «أنثروبيك» (Anthropic)، المطوّرة لنظام «Claude»، عن تفاصيل مالية واستثمارية غير مسبوقة، ضمن ملف طرح أسهمها للاكتتاب العام الذي قدمته إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية في 26 تشرين الأول 2026.

وتضع هذه الخطوة الشركة أمام اختبار حاسم: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تحويل إيراداته المتسارعة إلى أرباح مستدامة، أم أن صناعة المستقبل تحتاج إلى إنفاق يفوق قدرتها على تحقيق العائد؟

من شركة ناشئة إلى إمبراطورية بمليارات الدولارات

تأسست «أنثروبيك» عام 2021 على أيدي مجموعة من الباحثين السابقين في «OpenAI»، يتقدمهم داريو أمودي وشقيقته دانييلا أمودي.

وخلال سنوات قليلة، استطاعت الشركة أن تتحول إلى أحد أبرز المنافسين في سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي، مستفيدة من انتشار نماذج «Claude» بين المؤسسات والمطورين والشركات الباحثة عن أدوات لأتمتة الأعمال وتحليل المعلومات وكتابة البرمجيات.

لكن الأرقام المعلنة تكشف حجم التحول الحقيقي.

فقد ارتفعت إيرادات الشركة من نحو 41 مليون دولار عام 2023 إلى 386 مليون دولار في 2024، قبل أن تقفز إلى قرابة 4.59 مليارات دولار خلال 2025.

أما المفاجأة الكبرى فجاءت مع تسجيل إيرادات بلغت نحو 16.29 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، مقارنة بنحو 1.16 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق.

وتعني هذه الأرقام أن الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في التجارب الفردية، بل أصبح جزءاً من الإنفاق التشغيلي للمؤسسات الكبرى.

والأهم أن هذا النمو يعكس انتقال المنافسة من جذب المستخدمين إلى بناء علاقات تجارية طويلة الأمد مع الشركات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في أعمالها اليومية.

المفارقة الصادمة.. 80.7 مليار دولار خسائر رغم الإيرادات القياسية

رغم القفزة الهائلة في الإيرادات، كشفت الوثائق المالية عن تسجيل خسارة صافية تقارب 80.7 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026.

غير أن قراءة هذا الرقم بمعزل عن تفاصيله قد تعطي انطباعاً مضللاً.

فبحسب البيانات المنشورة، تضمنت الخسارة نحو 72.4 مليار دولار نتيجة تسوية محاسبية استثنائية لمرة واحدة مرتبطة باتفاقيات تمويلية، ما يعني أن الرقم الإجمالي لا يمثل خسائر تشغيلية نقدية مباشرة بالحجم نفسه.

وفي المقابل، بلغت الخسائر التشغيلية نحو 693 مليون دولار في الفترة ذاتها، بعدما كانت تقارب 2.14 مليار دولار خلال النصف الأول من العام السابق.

هذه المفارقة تكشف واقعاً بالغ التعقيد: الشركة تنمو بسرعة استثنائية، وتقترب من تحسين أدائها التشغيلي، لكنها لا تزال تعمل ضمن صناعة تتطلب استثمارات ضخمة ومتواصلة.

كما أفادت تقارير عن لقاءات الشركة بالمستثمرين بأن إيرادات الربع الثالث من 2026 وصلت إلى نحو 16.8 مليار دولار، مع تحقيق ربحية وفق مقاييس محاسبية معدّلة، وهي نتائج لا تعني بالضرورة تحقيق أرباح صافية وفق المعايير المحاسبية المعتادة.

600 مليار دولار.. فاتورة بناء العقل الرقمي

تُظهر بيانات الطرح أن «أنثروبيك» مرتبطة بالتزامات إنفاق تتجاوز 600 مليار دولار على الحوسبة والبنية التحتية، موزعة على اتفاقيات مع عدد محدود من الشركاء تمتد لسنوات طويلة.

ومن بين أبرز هذه الالتزامات ما لا يقل عن 110 مليارات دولار مع «أمازون»، ونحو 114.5 مليار دولار مع «غوغل»، إضافة إلى نحو 44.9 مليار دولار مع «مايكروسوفت»، وفق ما أوردته وكالة رويترز.

ولا تعني هذه المبالغ أنها صُرفت بالكامل، بل إنها تعكس التزامات تعاقدية مستقبلية متفاوتة الشروط والمواعيد.

ووراء هذه الأرقام تكمن حقيقة أساسية: الذكاء الاصطناعي ليس برنامجاً يُطوّر مرة واحدة ثم يُباع بلا تكلفة كبيرة، بل منظومة تحتاج باستمرار إلى معالجات متقدمة وخوادم ومراكز بيانات وشبكات كهرباء وتبريد وقدرات حوسبة متزايدة.

وبالتالي، فإن الشركات التي تطور النماذج الذكية ليست وحدها المستفيدة من طفرة القطاع؛ فشركات الرقائق والحوسبة السحابية والطاقة أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة النفوذ التكنولوجي العالمي.

من يمول من؟ العلاقة المعقدة بين المستثمر والمنافس

تطرح علاقات «أنثروبيك» مع الشركات الكبرى إشكالية اقتصادية مهمة.

فـ«أمازون» و«غوغل» ليستا مجرد مزودتين للخدمات السحابية، بل من كبار المستثمرين في الشركة، في الوقت الذي تملكان فيه مصالح تجارية وتقنية قد تتنافس مع منتجاتها.

هنا يظهر ما يُعرف بالتمويل الدائري في صناعة الذكاء الاصطناعي، حيث تستثمر شركة تكنولوجية في مطور للذكاء الاصطناعي، ثم يستخدم هذا المطور جزءاً من التمويل لشراء قدرات حوسبة من الشركة المستثمرة أو من شركائها.

هذه الصيغة ليست دليلاً بحد ذاتها على وجود خلل مالي، لكنها تطرح أسئلة مشروعة بشأن استقلالية النمو، وتركيز الاستثمارات، ومدى قدرة الإيرادات المستقبلية على تغطية الالتزامات الضخمة.

ويصبح السؤال الأهم: ما مقدار الطلب الاقتصادي المستقل على خدمات الذكاء الاصطناعي، وما مقدار النمو المرتبط بالتوسع الاستثماري المتبادل بين الشركات الكبرى؟

الإجابة عن هذا السؤال ستكون حاسمة في تحديد القيمة الحقيقية لهذه الصناعة.

البورصة أمام امتحان غير مسبوق

تستعد «أنثروبيك» لدخول سوق الأسهم الأميركية عبر إدراج مقترح في بورصة ناسداك تحت الرمز «ANT».

وتحدثت تقارير مالية عن تقييمات محتملة تتراوح بين نحو 1.5 وتريليوني دولار، غير أن السعر النهائي للسهم والتقييم الرسمي لم يكونا قد تحددا عند تقديم ملف الطرح.

وبالتالي، فإن الحديث عن قيمة سوقية نهائية أو نجاح مضمون للاكتتاب يبقى سابقاً لأوانه.

الأهمية الفعلية لهذه الخطوة أنها قد توفر اختباراً علنياً لقدرة الأسواق على تقييم شركات الذكاء الاصطناعي بعيداً عن جولات التمويل الخاصة والتوقعات المستقبلية.

فالمستثمر في البورصة لا يشتري التكنولوجيا وحدها، بل يشتري حصة في نموذج أعمال يفترض أن يحقق عائداً مستداماً مقابل المخاطر.

وإذا نجح الطرح، فقد يفتح شهية أسواق المال لتمويل موجة إضافية من مراكز البيانات ومشروعات الذكاء الاصطناعي. أما إذا واجه تحفظاً من المستثمرين، فقد يدفع القطاع إلى إعادة النظر في توقعات النمو والتقييم والإنفاق.

من يملك القرار عندما تصبح الخوارزميات أكثر قوة؟

لا تقتصر القصة على المال.

فقد كشفت وثائق الشركة عن هيكل حوكمة يمنح المؤسسين السبعة مجتمعين 50.1% من القوة التصويتية في مسائل محددة، مع دور لهيئة مستقلة تُعنى بحماية أهداف الشركة المتعلقة بالمنفعة العامة.

وتقول «أنثروبيك» إن هذا النموذج يهدف إلى الحفاظ على رسالتها في تطوير الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، بعيداً عن الضغوط المالية قصيرة الأجل.

لكن الهيكل نفسه يثير سؤالاً آخر: كيف يمكن التوفيق بين حماية القرارات المرتبطة بسلامة التكنولوجيا وحقوق المساهمين في مراقبة الإدارة ومحاسبتها؟

وتبرز أهمية هذا السؤال في ضوء المخاطر التي تتحدث عنها الشركة نفسها، بما فيها احتمالات إساءة استخدام النماذج المتقدمة، والثغرات الأمنية، والآثار المجتمعية المحتملة لأنظمة تتمتع بقدرات متزايدة.

إن القضية لم تعد تتعلق فقط بمن ينتج النموذج الأكثر تقدماً، بل بمن يحدد الحدود التي يجب ألا تتجاوزها هذه الأنظمة.

ماذا يعني هذا السباق للعالم العربي؟

قد تبدو هذه التطورات بعيدة عن الأسواق العربية، لكنها تحمل انعكاسات مباشرة على الحكومات والمؤسسات والشركات والمطورين.

فمع تزايد اعتماد الخدمات الرقمية على نماذج ذكاء اصطناعي تديرها شركات عالمية، تبرز تحديات تتعلق بكلفة استخدام هذه الخدمات، وحماية البيانات، والاعتماد على البنية التحتية الخارجية، والقدرة على تطوير حلول محلية.

كما يضع توسع أدوات البرمجة والتحليل والأتمتة قطاعات عديدة أمام ضرورة إعادة تأهيل العاملين وتطوير المهارات، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتقليل النفقات.

وفي المقابل، تتيح هذه التحولات فرصاً للشركات العربية لبناء تطبيقات متخصصة باللغة العربية، وتطوير خدمات إعلامية وتعليمية وتجارية قادرة على الاستفادة من النماذج المتقدمة دون الحاجة إلى ابتكار نموذج تأسيسي جديد من الصفر.

لكن الاستفادة الحقيقية تتطلب استثمارات في الخبرات والبنية التقنية والحوكمة الرقمية، وليس مجرد الاشتراك في الخدمات الجاهزة.

هل نحن أمام ثورة اقتصادية أم فقاعة استثمارية؟

من المبكر إصدار حكم قاطع.

فالإيرادات التي أعلنتها «أنثروبيك» تقدم دليلاً واضحاً على وجود طلب تجاري كبير ومتسارع، فيما تشير الالتزامات الاستثمارية الضخمة إلى أن تحقيق الأرباح المستدامة على المدى الطويل لا يزال اختباراً مفتوحاً.

والفارق بين الثورة الاقتصادية والفقاعة الاستثمارية لا تحدده الضجة الإعلامية أو التقييمات وحدها، بل قدرة التكنولوجيا على إنتاج قيمة اقتصادية حقيقية تتجاوز تكاليف تطويرها وتشغيلها.

وهذا ما يجعل طرح «أنثروبيك» حدثاً يتجاوز حدود شركة واحدة، ليصبح اختباراً لمستقبل صناعة يتوقع أن تؤثر في طريقة عمل المؤسسات والاقتصادات خلال العقد المقبل.

الخلاصة.. المعركة الحقيقية بدأت الآن

تكشف تجربة «أنثروبيك» أن السيطرة على مستقبل الذكاء الاصطناعي لن تُحسم فقط داخل المختبرات أو عبر التفوق في الاختبارات التقنية.

إنها معركة على رأس المال، والطاقة، والحوسبة، والبيانات، والمواهب، وثقة المستخدمين، قبل أن تكون معركة على الخوارزميات.

ومع انتقال أحد أبرز مطوري النماذج الذكية نحو الأسواق العامة، تصبح الأرقام المالية أكثر أهمية من الوعود، والحوكمة أكثر حساسية من الشعارات.

فالسؤال الذي سيحدد وجه العالم الرقمي ليس فقط: من سيصنع الذكاء الاصطناعي الأقوى؟ بل من سيتمكن من تمويله، والتحكم فيه، وضمان ألا تتحول قوته إلى عبء اقتصادي أو خطر يصعب احتواؤه؟

وهذا، على الأرجح، هو الامتحان الحقيقي الذي تواجهه صناعة الذكاء الاصطناعي اليوم.


المصادر والمراجع:

تحقيق: محمد قاسم –  بيروت

star-arab.net — متابعة الخبر
فريق التحرير
بقلم

فريق التحرير

فريق التحرير في star-arab.net يتابع الأخبار ويحررها وفق السياسة التحريرية للموقع.

جميع مقالات الكاتب ←