بيروت : 01-09-2026 | The Verificat + وكالات
ثلاثة ملفات في اجتماع وزاري واحد
ترأس دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام الاجتماع الوزاري الدوري في السراي الكبير، وخرج الاجتماع بثلاثة ملفات رئيسية: مستقبل وجود قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» وما قد يخلّفه أي انسحاب أو تقليص من فراغ، وضع المالية العامة وشح الموارد مع التشديد على الجباية، والتحضيرات لانطلاق العام الدراسي. ووفق ما أعلنه معالي وزير الإعلام بول مرقص، شدد الوزراء على ضرورة استمرار الوجود الأممي في الجنوب، فيما أُعلن أن مشروع قانون الموازنة يقترب من العرض على الحكومة. أهمية الاجتماع أنه جمع بين الأمن والسيادة والمالية والتعليم في لحظة واحدة، بما يكشف أن الحكومة تدخل سبتمبر وهي مطالبة بإدارة آثار الحرب بالتوازي مع إعادة ضبط موارد الدولة.
اليونيفيل ليست بنداً تقنياً
النقاش حول اليونيفيل يتجاوز مصير بعثة دولية. وجود القوة في الجنوب مرتبط بآلية مراقبة ميدانية وبالتنسيق مع الجيش اللبناني، وأي تقليص واسع يمكن أن يخلق فراغاً في الرصد والاتصال والتحقق من الحوادث. الحكومة، وفق البيان المنقول عن مرقص، أكدت ضرورة استمرار القوة الأممية، ما يعكس خشية من أن تصبح الدولة مطالبة بملء مساحة عملياتية ولوجستية كبيرة في وقت ما زالت فيه مناطق جنوبية تتعرض لتوترات وتفجيرات وقصف متقطع. هذا لا يعني أن اليونيفيل بديل من الجيش، بل إن النقاش يدور حول كيفية منع انتقال مفاجئ يضع عبئاً إضافياً على المؤسسة العسكرية.
الموازنة تقترب من الحكومة
الملف الثاني كان مالياً بامتياز. الوزراء بحثوا شح الموارد والحاجة إلى تكثيف الجباية وتعزيز الإيرادات الجمركية والضريبية وإيرادات الأملاك البحرية. قرب عرض مشروع قانون الموازنة على مجلس الوزراء يعني أن الحكومة ستنتقل من العناوين إلى أرقام تحدد أولويات الإنفاق والعجز والتمويل. لبنان يحتاج إلى إنفاق على الرواتب والخدمات وإعادة الإعمار والتعليم والصحة، لكنه يعمل في بيئة مالية ضيقة. لذلك فإن أي موازنة لا ترفع كفاءة التحصيل ستبقى معتمدة على مصادر محدودة أو على تمويل استثنائي يصعب استدامته.
الجباية ليست مجرد رفع ضرائب
هناك فرق بين زيادة الإيرادات ورفع العبء على الاقتصاد المنتج. الحكومة تستطيع زيادة التحصيل عبر مكافحة التهرب، تحسين الجمارك، رقمنة الإجراءات، وتحصيل مستحقات الأملاك العامة، قبل اللجوء إلى زيادات ضريبية واسعة. في بلد يعاني من اقتصاد نقدي كبير وتفاوت بين من يدفع ومن يفلت من الدفع، تصبح العدالة في التحصيل جزءاً من الإصلاح. إذا رأت الشركات والأسر أن الدولة توسع القاعدة الضريبية وتغلق منافذ التهرب قبل رفع المعدلات، يصبح الالتزام أكثر قابلية للدفاع عنه سياسياً واجتماعياً.
الأملاك البحرية تعود إلى الواجهة
الإيرادات المرتبطة بالأملاك البحرية ملف قديم ومتكرر في لبنان. أراضٍ ومنشآت ساحلية تستخدم وفق أوضاع قانونية وتسويات متفاوتة، والحكومة ترى فيها مورداً يمكن تحسينه. لكن تحويل هذا الملف إلى إيراد فعلي يحتاج إلى مسح واضح، تقييم عادل، آليات تحصيل، ونشر الأرقام. إذا بقيت التسويات متفاوتة أو خاضعة للاستثناءات، لن تتحقق الإيرادات المتوقعة وستتضرر الثقة العامة. لذلك فإن نجاح هذا البند يعتمد على الإدارة والشفافية أكثر من العنوان السياسي.
العام الدراسي جزء من الأزمة المالية
الملف الثالث تناول التحضيرات للعام الدراسي، وهو متداخل مع المالية والأمن. المدارس الرسمية تحتاج إلى رواتب وتشغيل وصيانة، وبعضها تأثر بالحرب أو استُخدم للإيواء. النقل والكهرباء والاتصال بالإنترنت كلها نفقات إضافية. لذلك لا يمكن فصل التعليم عن الموازنة. إذا كانت الحكومة تريد افتتاحاً مستقراً، فهي تحتاج إلى تحديد التمويل المتاح للمدارس والمعلمين وبرامج تعويض الفاقد التعليمي، وإلى تنسيق مع الجهات الدولية حيث يلزم.
حكومة أمام اختبار التنفيذ
القيمة الحقيقية للاجتماع لن تُقاس بعدد الملفات التي نوقشت، بل بما سيظهر خلال أسابيع: هل تُثبت ترتيبات واضحة لاستمرار دور اليونيفيل والتنسيق مع الجيش؟ هل تُعرض الموازنة في موعد قريب بأرقام قابلة للتدقيق؟ هل ترتفع الجباية من دون تحميل الشرائح الملتزمة وحدها الكلفة؟ وهل تبدأ المدارس العام بتمويل تشغيلي فعلي؟ هذه أسئلة يمكن قياسها، وهي التي ستحول الاجتماع من بيان سياسي إلى مسار حكومي.
لماذا يهم اجتماع الاثنين؟
لأن الملفات الثلاثة تلتقي عند مفهوم واحد هو قدرة الدولة. الأمن يحتاج إلى مؤسسة وجيش وآلية مراقبة، المالية تحتاج إلى إيرادات وإدارة، والتعليم يحتاج إلى خدمة عامة قابلة للاستمرار. لبنان لا يملك ترف معالجة كل ملف بمعزل عن الآخر. أي فراغ أمني يرفع كلفة الاقتصاد، وأي ضعف مالي يقلل قدرة الدولة على حماية الحدود أو تشغيل المدارس. لذلك فإن اجتماع السراي يقدم صورة مصغرة عن تحدي سبتمبر: الانتقال من إدارة الطوارئ إلى بناء مؤسسات تستطيع العمل معاً تحت ضغط الحرب والموارد المحدودة. ومن زاوية الحوكمة، سيكون نشر مشروع الموازنة والافتراضات التي بنيت عليها خطوة مهمة حتى يستطيع البرلمان والرأي العام قياس الإيرادات المتوقعة ومقارنتها بالتحصيل الفعلي. الشفافية تقلل هامش القرارات المفاجئة وتسمح بمساءلة الوزارات عن الأداء.
البرلمان سيكون محطة ثانية
بعد إقرار الحكومة مشروع الموازنة، ينتقل النقاش إلى مجلس النواب حيث تتحول العناوين إلى مواد وأرقام قابلة للتعديل. هنا تظهر أسئلة عن حجم الإنفاق الاستثماري، كلفة خدمة الدين، الاعتمادات للجيش والتعليم، وكيفية توزيع الإيرادات بين الضرائب والرسوم والتحصيل المتأخر. أهمية هذه المرحلة أنها تتيح مقارنة تقديرات الحكومة مع قدرة الاقتصاد الفعلية. الموازنة الواقعية تحتاج إلى افتراضات قابلة للدفاع عنها حول النمو والتضخم وسعر الصرف والتحصيل، لا أرقام مرتفعة فقط لتقليل العجز على الورق.
استمرار اليونيفيل يحتاج خطة انتقال
حتى مع تمسك الحكومة باستمرار اليونيفيل، من الضروري التحضير لسيناريوهات تغير الحجم أو المهام مستقبلاً. خطة انتقال واضحة تحدد ما الذي يستطيع الجيش تسلمه تدريجياً، وما الموارد الإضافية المطلوبة، وكيف تستمر قنوات الاتصال الدولية. التحضير لا يعني قبول الانسحاب، بل منع أن يتحول أي قرار خارجي مفاجئ إلى فجوة أمنية. هذا النوع من التخطيط المتدرج يجعل الموقف اللبناني أقوى لأنه يجمع المطالبة بالدعم الدولي مع بناء قدرة وطنية أكبر على المدى الطويل.
