Site icon star-arab.net

العقوبات والحرب ترفعان التضخم والضغط على الريال الإيراني

العقوبات والحرب ترفعان التضخم والضغط على الريال الإيراني

العقوبات والحرب ترفعان التضخم والضغط على الريال الإيراني

العقوبات والحرب ترفعان التضخم والضغط على الريال الإيراني

تواجه إيران مرحلة اقتصادية شديدة التعقيد مع انتقال جانب متزايد من المواجهة مع الولايات المتحدة من الميدان العسكري إلى الضغط المالي والتجاري، في وقت تراهن فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تضييق مصادر تمويل طهران وعزلها عن شركائها التجاريين.

ورغم أن الاقتصاد الإيراني راكم خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات منذ عام 1979، فإن الظروف الحالية تبدو أكثر قسوة، مع اجتماع العقوبات والحرب واضطراب التجارة وتراجع العملة وارتفاع التضخم في وقت واحد.

وأعلنت إدارة ترمب استعدادها لإطلاق ما وصفته بأنه واحدة من أقسى حملات الضغط الاقتصادي على إيران، فيما قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن واشنطن تستهدف توسيع العزلة المالية والتجارية لإيران والضغط على الدول والشركات التي تواصل التعامل معها.

ويطرح هذا التصعيد سؤالاً رئيسياً: إلى متى يستطيع الاقتصاد الإيراني الصمود؟

الإجابة تبدو مرتبطة بقدرة طهران على الحفاظ على صادرات النفط، وتأمين قنوات بديلة للتجارة والتمويل، مقابل قدرة واشنطن على إغلاق تلك القنوات ورفع كلفة التعامل مع إيران.

اقتصاد اعتاد العقوبات.. لكن الحرب غيّرت المعادلة

على مدى عقود، بنت إيران شبكة واسعة للتعامل مع العقوبات، شملت شركات وسيطة، ومكاتب صرافة، وتجارة حدودية، ومقايضة، وتسويات بعملات غير الدولار، إضافة إلى استخدام ناقلات تعمل خارج منظومة التجارة التقليدية لنقل النفط.

كما تستفيد البلاد من سوق داخلية كبيرة، وقاعدة صناعية وزراعية واسعة، واحتياطيات ضخمة من النفط والغاز، إلى جانب حدود طويلة مع عدد من الدول.

وتمكنت طهران كذلك من الحفاظ على أسواق لصادراتها النفطية، وفي مقدمتها الصين، رغم القيود الغربية.

لكن الحرب أضافت بعداً جديداً إلى الأزمة، إذ لم تعد الضغوط مالية ومصرفية فقط، بل امتدت إلى البنية التحتية والتجارة والنقل البحري وسلاسل الإمداد.

وبذلك بات الاقتصاد الإيراني يتعامل في الوقت نفسه مع العقوبات، وكلفة الحرب، والتضخم، وضعف العملة، واضطرابات التجارة.

النفط خط الدفاع الأول

يبقى النفط والغاز من أهم عناصر صمود الاقتصاد الإيراني.

فكلما تمكنت طهران من الحفاظ على جزء كبير من صادراتها النفطية، استمرت في الحصول على العملة الأجنبية اللازمة لتمويل الواردات ودعم الاقتصاد.

ولهذا تركز واشنطن بصورة متزايدة على مشتري النفط الإيراني، وشبكات الصرافة، والأصول الخارجية، والناقلات المرتبطة بتجارة النفط.

وتبقى الصين عنصراً أساسياً في هذه المعادلة، باعتبارها أحد أهم المشترين للنفط الإيراني.

في المقابل، تمنح الجغرافيا إيران هامشاً واسعاً للمناورة، إذ ترتبط بحدود برية مع العراق وتركيا وباكستان وأفغانستان وتركمانستان وأرمينيا وأذربيجان، فضلاً عن منافذها البحرية.

وهذه الشبكة تجعل فرض عزلة اقتصادية كاملة على إيران مهمة معقدة، حتى وإن أصبحت التجارة عبر هذه المسارات أكثر كلفة.

التضخم والريال أخطر نقاط الضعف

تظهر نقطة الضعف الرئيسية في قدرة إيران على الحصول على العملات الأجنبية.

فالاقتصاد الإيراني، رغم إنتاجه المحلي الواسع، لا يزال يعتمد على الاستيراد في مجالات تشمل المعدات والآلات وقطع الغيار والمواد الخام والأدوية والغذاء والتكنولوجيا.

وبالتالي، فإن أي تراجع كبير في عائدات النفط لا يضغط على موازنة الدولة فقط، وإنما يحد أيضاً من قدرة الشركات والمصانع والأسواق على استيراد احتياجاتها.

ووفق الأرقام الواردة في التقرير، بلغ التضخم نحو 66% خلال يوليو 2026، بينما سجلت أسعار الغذاء ارتفاعاً يقارب 128% على أساس سنوي.

وتعني هذه المستويات تراجعاً حاداً في القوة الشرائية للأسر، وتآكلاً في الأجور والمدخرات.

كما يؤدي انخفاض قيمة الريال إلى زيادة تكلفة الواردات، بما يغذي موجة جديدة من التضخم ويزيد الضغط على الشركات والمستهلكين.

وهنا تظهر معادلة شديدة الحساسية: قد تتمكن الدولة الإيرانية من الاستمرار في إدارة الأزمة لفترة طويلة، لكن قدرة المواطنين على تحمّل كلفتها قد تكون أقل بكثير.

الغذاء والدواء تحت الضغط

لم تختف السلع الأساسية من الأسواق الإيرانية، إلا أن الحصول عليها أصبح أكثر كلفة وصعوبة.

وأدت الحرب والتضخم وتراجع العملة إلى تغير أنماط الاستهلاك لدى الإيرانيين، مع اضطرار العديد من الأسر إلى تقليص الإنفاق على المنتجات غير الأساسية.

وتعد الأدوية والمستلزمات الطبية من أكثر القطاعات حساسية، لأن العقوبات المصرفية والقيود على الشحن والتأمين ونقص العملات الأجنبية قد تعرقل عمليات الاستيراد، حتى عندما تكون بعض المنتجات الطبية مستثناة رسمياً من العقوبات.

وينطبق الأمر ذاته على الآلات والمكونات الإلكترونية وقطع الغيار ومدخلات الإنتاج الصناعي.

وقد تظهر آثار هذه الاختناقات تدريجياً، بداية من تراجع الإنتاج وتعطل المصانع، وصولاً إلى ارتفاع الأسعار أو نقص المنتجات النهائية.

خسارة بوابة الإمارات تزيد الضغوط

يمثل تراجع أو توقف حركة التجارة عبر الإمارات ضربة إضافية للاقتصاد الإيراني بسبب الدور التاريخي لدبي كمركز رئيسي لإعادة التصدير والتمويل والتجارة مع إيران.

ولم تكن أهمية الإمارات مرتبطة بالسلع المنتجة فيها فقط، بل بدورها بوابة لوصول منتجات من الصين والهند وأوروبا وأسواق أخرى إلى إيران.

ويمكن لطهران تحويل جزء من هذه التجارة إلى دول ومسارات أخرى، مثل تركيا والعراق وعُمان والممرات الشمالية.

لكن المشكلة تكمن في أن كل مسار إضافي أو وسيط جديد يرفع تكاليف النقل والتأمين والتمويل.

كما أن خوف البنوك والشركات من العقوبات الأميركية قد يؤدي إلى مزيد من التضييق على عمليات الدفع والتحويل.

واشنطن تراهن على استنزاف الداخل

تعتمد الاستراتيجية الأميركية على جعل تكلفة استمرار الحرب والعقوبات أعلى من قدرة الاقتصاد الإيراني على التحمل.

فالهدف لا يتمثل فقط في تقليص الإيرادات النفطية، بل في تعطيل قدرة طهران على تحويل تلك الإيرادات إلى سلع ومواد وتقنيات تحتاج إليها داخل البلاد.

وإذا اضطرت الشركات والدول للاختيار بين الوصول إلى السوق الأميركية أو التعامل مع إيران، فإن الكثير منها قد يتجنب السوق الإيرانية.

في المقابل، تراهن طهران على قدرتها على استخدام شبكات التجارة البديلة، وعلى استمرار بعض الدول في شراء النفط والتعامل معها، إضافة إلى موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في حركة الطاقة والملاحة عبر الخليج ومضيق هرمز.

الاقتصاد يتحول إلى ساحة حسم سياسي

مع ارتفاع الكلفة الاقتصادية، تتحول الأزمة إلى عامل رئيسي في النقاش السياسي داخل إيران.

فالرئيس مسعود بزشكيان والتيار المؤيد للمفاوضات يواجهان سؤالاً متزايداً بشأن قدرة البلاد على تحمل حرب طويلة وسط ارتفاع الأسعار والعزلة وتضرر البنية التحتية.

في المقابل، ترى قوى أكثر تشدداً أن التخلي عن أدوات الضغط، خصوصاً النفوذ المرتبط بمضيق هرمز، قد يمنح واشنطن مكاسب لم تستطع تحقيقها عسكرياً.

وهكذا يصبح الاقتصاد أحد أهم ميادين المواجهة بين الطرفين.

هل يصمد الاقتصاد الإيراني؟

من غير المرجح أن يؤدي الضغط الاقتصادي وحده إلى انهيار سريع للاقتصاد الإيراني، نظراً إلى موارده الطبيعية وسوقه الداخلية وخبرته الطويلة في الالتفاف على العقوبات وشبكة علاقاته التجارية الإقليمية.

لكن قدرة إيران على الصمود لا تعني غياب الكلفة.

فكلما طال أمد الحرب وتشددت العقوبات، ازداد الضغط على العملة والأسعار والواردات والإنتاج ومستوى معيشة المواطنين.

وعليه، فإن السؤال لم يعد فقط ما إذا كان الاقتصاد الإيراني قادراً على الاستمرار، بل كم ستكون الكلفة الاجتماعية والسياسية والمالية لهذا الصمود، وكم من الوقت يمكن لطهران تحملها قبل أن تصبح التسوية أقل كلفة من استمرار المواجهة؟

المصدر: الشرق بلومبرغ

Exit mobile version